إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
344
زهر الآداب وثمر الألباب
أطيب ، فاستفزّته حمة القرم « 1 » ، وعطفته عطفة النّهم ، وطمع ، ولم يعلم أنه وقع ، ثم أتيت شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا ، ويتسايل جوذابه مرقا « 2 » ، فقلت : أبرز لأبى زيد من هذا الشواء ، ثم زن له من تلك الحلواء ، واختر من تلك الأطباق ، ونضّد عليها أوراق الرقاق ، وشيئا من ماء السّمّاق « 3 » ؛ ليأكله أبو زيد هنيا . فأنحى الشّوّاء بساطوره « 4 » ، على زبدة تنّوره ، فجعلها كالكحل سحقا ، وكالطحين دقّا ، ثم جلس وجلست ، ولا نبس ولا نبست ، حتى استوفيناه ، وقلت لصاحب الحلواء : زن لأبى زيد من اللوزينج رطلين « 5 » ، فإنه أجرى في الحلوق ، وأسرى في العروق ، وليكن ليلىّ العمر ، يومىّ النّشر « 6 » ، رقيق القشر ، كثيف الحشو ، لؤلؤىّ الدهن ، كوكبى اللون ، يذوب كالصّمغ ، قبل المضغ ، ليأكله أبو زيد هنيّا . فوزنه ، ثم قعد وقعدت ، وجرّد وجرّدت « 7 » ، واستوفيناه ، ثم قلت : يا أبا زيد ، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج ، ليقمع هذه الصّارة « 8 » ، ويفثأ هذه اللَّقم الحارة « 9 » ؛ اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقّاء ، يحيينا بشربة من ماء ، ثم خرجت ، وجلست بحيث أراه ولا يراني ، أنظر ما يصنع به . فلما أبطأت عليه قام السّوادى إلى حماره ، فاعتلق الشّوّاء بإزاره .
--> « 1 » الحمة : إبرة العقرب يلسع بها من يلمسه ، والقرم : شدة الشهوة إلى اللحم « 2 » الجوذاب : خبز يوضع في التنورة ومعه طائر أو لحم « 3 » السماق : حب أحمر صغير شديد الحموضة ، شجره يشبه الرمان « 4 » الساطور : آلة يقطع بها الجزار اللحم « 5 » اللوزينج : نوع من الحلواء يصنع من نوع من الخبز يسقى بدهن اللوز ، ويحشى بالجوز . « 6 » ليلى العمر : صنع من ليلته ، ويومى النشر : نشر في يومه « 7 » جرد وجردت : يريد أن كلا منهما جرد يده من ثيابه استعدادا للمائدة « 8 » الصارة العطش « 9 » يفثأ : يسكن